بركات لـ " مصر الآن ":"الذهب في 2026"رهان المؤسسات الكبرى واستمرار الصعود
قال الدكتور وائل بركات الخبير الاقتصادي في تصريح لموقع "مصر الآن "إن الذهب يدخل عام 2026 وهو يحمل معه ثِقَل مرحلة عالمية مضطربة، تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، ويختلط فيها الخوف بالطموح، ويعود فيها المعدن الأصفر ليلعب دوره التاريخي كمرآة لعدم اليقين العالمي. فعلى الرغم من كل التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال السنوات الأخيرة، فإن نظرة المؤسسات المالية الكبرى للذهب لا تزال تميل بوضوح إلى التفاؤل، ليس بدافع المضاربة، بل استنادًا إلى تحولات عميقة في بنية الاقتصاد العالمي.
وأضاف بركات أن السبب الجوهري وراء هذا التفاؤل يتمثل في السلوك غير المسبوق للبنوك المركزية، التي تحولت خلال الأعوام الأخيرة من مجرد حارس للعملات إلى مشترٍ نشط للذهب. هذا التحول يعكس رغبة واضحة في تقليل الاعتماد على الدولار، وتنويع الاحتياطيات، والتحصن أمام صدمات مالية محتملة، خاصة في ظل تصاعد الاستقطاب الجيوسياسي وتزايد استخدام العملات كسلاح اقتصادي. استمرار هذا الاتجاه خلال 2026 يعني أن الطلب المؤسسي على الذهب لن يكون عابرًا، بل بنيويًا وطويل الأجل.
وأشار إلى أنه بجانب ذلك، تلعب السياسة النقدية الأمريكية دورًا محوريًا في رسم مستقبل الذهب. فالتوقعات السائدة تشير إلى احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال 2026، سواء نتيجة تباطؤ اقتصادي أو رغبة في دعم النمو. وفي مثل هذه البيئات، يفقد الدولار جزءًا من جاذبيته، وتصبح الأصول غير المدرة للعائد – وعلى رأسها الذهب – أكثر إغراءً للمستثمرين. ضعف الدولار المحتمل لا يعني فقط ارتفاعًا اسميًا في سعر الذهب، بل يعكس انتقالًا في ميزان الثقة العالمي من العملات الورقية إلى الأصول الحقيقية.
وقال الخبير الاقتصادي أنه ولا يمكن فصل هذه التوقعات عن المشهد الجيوسياسي العام. فالعالم يدخل مرحلة تتسم بقدر أعلى من عدم اليقين، سواء على مستوى الصراعات الدولية، أو التوترات التجارية، أو إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية. وفي مثل هذه الأجواء، يعود الذهب ليكون لغة عالمية مشتركة بين المستثمرين، لا يحتاج إلى ثقة في حكومة أو التزام من بنك مركزي، بل يستمد قيمته من ندرته وتاريخه.
ولفت إلى أن هذه العوامل مجتمعة تفسر لماذا تتقارب توقعات البنوك الكبرى حول نطاق سعري يتراوح بين 4,200 و5,000 دولار للأونصة خلال 2026. فبعض المؤسسات، مثل جي بي مورجان وجولدمان ساكس، ترى أن السيناريو القوي قد يدفع الأسعار إلى مستويات تقترب من 5,000 دولار، بينما تتبنى مؤسسات أخرى نظرة أكثر تحفظًا، لكنها لا تزال ترى الذهب أعلى بكثير من مستوياته التاريخية السابقة. ورغم اختلاف التقديرات، فإن القاسم المشترك بينها هو الإقرار بأن الذهب لم يعد يتحرك بدافع الخوف وحده، بل بدافع تحولات هيكلية في النظام المالي العالمي.
وقال أنه وإقليميًا، تحمل هذه التوقعات دلالات مهمة لمنطقة الشرق الأوسط، التي ترتبط ثقافيًا واقتصاديًا بالذهب. فارتفاع الأسعار عالميًا ينعكس على قرارات الادخار والاستثمار، ويعيد تشكيل سلوك الأفراد والمؤسسات، خاصة في ظل سعي العديد من الدول لتعزيز احتياطياتها وتنويع مصادر الثروة بعيدًا عن التقلبات النفطية. كما أن الذهب يصبح أداة موازنة مهمة في الاقتصادات التي تواجه ضغوطًا تضخمية أو تحديات في العملة.
أما محليًا، فإن الحديث عن الذهب لا ينفصل عن واقع المواطن العادي، الذي ينظر إلى المعدن الأصفر كملاذ للقيمة عبر الزمن. استمرار الاتجاه الصاعد عالميًا يعزز هذا التصور، لكنه في الوقت نفسه يفرض وعيًا أكبر بطبيعة السوق، والتمييز بين الاستثمار طويل الأجل والمضاربة قصيرة الأجل. فالذهب قد يصعد، لكنه لا يفعل ذلك في خط مستقيم، بل عبر موجات تصحيح واختبار للصبر.
وأشار إلى أنه ومع كل هذا التفاؤل، تبقى هناك أصوات تحذر من سيناريوهات معاكسة، مثل تحسن مفاجئ وقوي في النمو العالمي أو عودة التشدد النقدي بشكل غير متوقع، وهي عوامل قد تضغط مؤقتًا على أسعار الذهب. لكن حتى هذه السيناريوهات، في نظر كثير من المحللين، لا تمثل نهاية للدورة الصاعدة بقدر ما تمثل فترات التقاء أنفاس داخل مسار أطول.
الذهب في 2026 لا يُنظر إليه كمجرد سلعة، بل كأداة استراتيجية في عالم يعاد تشكيله. وبين التفاؤل والحذر، يبدو أن المعدن الأصفر سيظل حاضرًا بقوة في حسابات الكبار… وفي أحلام الصغار الباحثين عن الأمان.


.jpg)

.jpg)

.jpg)
